محمد حسين هيكل

314

حياة محمد ( ص )

وكان عند محمد أوّل ما اشتد به المرض سبعة دنانير خاف أن يقبضه اللّه إليه وما تزال باقية عنده ، فأمر أهله أن يتصدّقوا بها . لكن اشتغالهم بتمريضه والقيام في خدمته واطّراد المرض في شدّته أنساهم تنفيذ أمره . فلما أفاق يوم الأحد الذي سبق وفاته من إغمائه سألهم : ما فعلوا بها ؟ فأجابت عائشة إنها ما تزال عندها . فطلب إليها أن تحضرها ، ووضعها في كفه ثم قال : « ما ظنّ محمد بربه لو لقي اللّه عنده هذه » . ثم تصدق بها جميعا على فقراء المسلمين . وقضى محمد ليله هادئا مطمئنّا نزلت عنه الحمّى ، حتى لكأن الدواء الذي سقاه أهله قد فعل فعله وقضى على المرض عنده . وبلغ من ذلك أن استطاع أن يخرج ساعة الصبح إلى المسجد عاصبا رأسه معتمدا على عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس . وكان أبو بكر ساعتئذ يصلي بالناس . فلما رأى المسلمون النبيّ وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحا به وتفرّجوا ، فأشار إليهم أن يثبتوا على صلاتهم . وسرّ محمد بما رأى من ذلك أكبر سرور واغتبط له أعظم الغبطة . وأحسّ أبو بكر بما صنع الناس ، وأيقن أنهم لم يفعلوه إلا لرسول اللّه ، فنكص عن مصلّاه يريد أن يتخلّى لمحمد عن مكانه . فدفعه محمد في ظهره وقال : صلّ بالناس ؛ وجلس هو إلى جنب أبي بكر فصلّى قاعدا عن يمينه . فلمّا فرغ من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد فقال : « أيها الناس ؛ سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإني واللّه ما تمسّكون عليّ بشيء . إني واللّه لم أحلّ إلا ما أحلّ القرآن ولا أحرّم إلا ما حرّم القرآن . لعن اللّه قوما اتّخذوا قبورهم مساجد » . غبطة المسلمين بظاهرة إبلاله ولقد عظم فرح المسلمين بما رأوا من مظاهر التقدم في صحة النبيّ ، حتى أقبل عليه أسامة بن زيد يستأذنه في مسيرة الجيش إلى الشام ، وحتى مثل بين يديه أبو بكر قائلا : يا نبيّ اللّه إني أراك قد أصبحت بنعمة من اللّه وفضل كما تحبّ ، واليوم يوم بنت خارجة ، أفاتيها ؟ فأذن النبيّ له في ذلك ، وانطلق أبو بكر إلى السنح بأطراف المدينة حيث تقيم زوجه . وانصرف عمر وعليّ لشئونهما . وتفرّق المسلمون وكلهم سعيد مستبشر ، بعد أن كانوا إلى أمس عابسين مغمومين لما يتّصل بهم من أخبار النبيّ ومرضه واشتداد الحمّى به وإغمائه . وعاد هو إلى بيت عائشة والسرور لرؤية هؤلاء المسلمين قد امتلأ بهم المسجد يفعم قلبه ، وإن كان يحس جسمه ضعيفا غاية الضعف ، وعائشة تنظر إلى هذا الرجل الذي يمتلئ قلبها تقديسا لجلال عظمته ، وقد ملكها الإشفاق عليه لضعفه ومرضه ، فهي تودّ لو تبذل له حشاشة نفسها لتردّ إليه القوّة والحياة . الصحو الذي يسبق الموت لكن خروج النبيّ إلى المسجد لم يكن إلا الصحو الذي يسبق الموت . فقد كان يزداد بعد دخوله إلى البيت في كل لحظة ضعفا ، وكان يرى الموت يدنو ، ولم يبق لديه ريب في أنه لم يبق له في الحياة إلا سويعات . ترى ماذا عساه كان يشهد في هذه السويعات الباقية له على فراق الحياة ؟ أفكان يستذكر حياته منذ بعثه اللّه هاديا ونبيّا ، وما لاقى فيها ، وما أتم اللّه عليه من نعمته ، وما شرح به صدره من فتح قلوب العرب لدين الحق ؟ أم كان يقضيها مستغفرا ربه متوجّها إليه بكل روحه على نحو ما كان يفعل كلّ حياته ؟ أم كان يعاني هذه الساعات الأخيرة من آلام النزع ما لم يبق لديه قوّة الاستذكار ؟ تختلف الروايات في ذلك اختلافا كبيرا وأكثرها على أنه دعا في هذا اليوم القائظ من أيام شبه الجزيرة ، 8 يونيو سنة 632 م ، بإناء فيه ماء بارد كان يضع يده فيه ويمسح بمائه وجهه ؟ وأن رجلا من آل أبي بكر دخل على عائشة وفي يده سواك ، فنظر إليه محمد نظرا دل على أنه